أبوتريكة يعتذر لأبيه

أحمد عبدالباسط

الإثنين 27-02-2017 PM 07:30

أبوتريكة يعتذر لأبيه

أحمد عبدالباسط

الإثنين 27-02-2017 PM 07:30
أحمد عبدالباسط

7 نوفمبر 1978 يقف الأب منتظرًا سماع صراخ مولوده، ليحمل على يديه ذريته التي سيرزقه الله بها، ولا يعلم إذا كان القادم ولدًا أو بنت، لكنه يدعو الله أن يرزقه بمولود صالح، وفجأة يسمع الأب الصراخ ويتلقى البشارة إنه "ولد".

لحظة انتظرها الأب كثيرًا، وصول الولد الذي سيعينه على أعباء الحياة، يختار له خير الأسماء "محمد"، ولم يكن يعلم بأن هذا الطفل هو "هبة الله" لهذه الأسرة المتواضعة التي انكسر ظهرها بعد رحيل "أحمد" الابن الأكبر، والتي كانت تعول عليه الكثير.

تمر الأيام والسنون، والطفل يكبر أمام أبيه، يلعب كرة القدم في شوارع القرية، وحينما بلغ عامه الـ12، تخطى كافة الاختبارات لينضم إلى الترسانة، حلم الصبي كان الأهلي أو الزمالك لكنه كان صبياً واقعياً ووضع لحلمه سقفاً حتى لا يستفيق على كابوس، اختار ابن الإثنى عشر عاماً نادي الترسانة لقربه من قريته حتى لا تتكبد عائلته أعباء مالية، يلعب الكرة ويعمل في مصنع الطوب في آن واحد، حتى وهو لا يزال طفلًا، لا يبحث سوى عن توفير كل سبل الراحة لوالديه ونظرة "رضا" في أعينهم، فيمنحهم جزءًا من "اليومية"، والجزء القليل المتبقي يساعده على الذهاب للنادي والعودة لبيته، وأيامًا كثيرة كانت قدماه هي وسيلة مواصلاته.

يكبر الصبي ويصبح شابًا، موازنة غريبة؛ لاعب كرة وعاملًا بمصنع طوب، وطالبًا بكلية الآداب في قسم التاريخ بجامعة القاهرة، سعادة في أعين أبويه فإبنهما ناجحًا في كل عمل يقوم به ومحبوب من الجميع وأخلاقه يُضرب بها المثل، يحلم الشاب الملتزم دينيًا ويدعو الله أن يكون سببًا في إسعاد أسرته، يتألق مع فريق الترسانة، وبين عشية وضحاها في 2003، تتسابق الأندية على ضمه، ولما لا؟ موهبة كبيرة؟ أي موهبة هذه التي تجعل الخطيب يبحث عنه ويقنعه في التوقيع واللعب للنادي الأهلي، إنه "محمد محمد محمد أبو تريكة" كل ذلك والأب يتابع "هبة الله" تفتح أمامهم أبواب السعادة، فخور بإبنه ويتباهى به في حدود التواضع، فالطفل الذي كان يلعب الكرة في شوارع ناهيا بدون حذاء مع أصدقائه، والذي تشققت يداه من العمل في مصنع الطوب، والذي ذهب إلى ناديه مرات كثيرة سيرًا على قدماه، بات محط أنظار الجميع ويفاوضه "أسطورة" ليلعب في النادي الأكبر في القارة.

10 سنوات بحلوها ومرها، يزرع الكلمات الحلوة في قلوب الناس، محبته تصل لجميع الشرفات والبيوت، دموعه جفت من كثرة ما رأى، لكن قوته في الشدائد "صبره". ينجح الابن بالرغم من زرع طريقه بالأشواك، التي كانت تحبس أنفاس والده والذي دعى بينه وبين نفسه "يا ليت الصبي ما كبر"، فتاجر السعادة والذي وزع تجارته على شعب بأكمله، يربح نُكرانًا وتقييدًا.

يحزن الأب على ولده، فيمرض، وفي 26 فبراير 2017 يموت، أين الابن؟ غير موجود، يرحل الأب دون أن يرى ابتسامة ابنه تهون عليه سكرات الموت، ابتسامته التي أشبعت الأعين، وأرست في القلوب طمأنينة وراحة بال بمجرد النظر إليها، يرحل الأب دون أن تخرج روحه الطاهرة على يدي ابنه، ابنه الذي لقن أشخاصًا لا يعرفهم الشهادة في نفس هذا الشهر من جماهير الأهلي.

"رحل الذي كان ينتظر صراخ مولوده حين ولادته دون أن يسمع صراخ ولده عليه حين رحيله" الابن جالس وحيدًا بعيدًا لم يخبره أحد بالخبر، تخفي والدته عنه خبر وفاة والده، يفضحها صرخات المجاوريين لها، الابن يدخل في ذهول ومفاجأة وبكاء، أبي سيدفن بعد قليل، ووتتشتت حواسه ويحدثه قلبه سأحضر.. سأودعه، فيزاحمه عقله لا لن أحضر، لا يمكنني فعل ذلك.

حالة من التوهان والابن يحدث نفسه ..الأب يحمل ولده على يديه حينما يأتي إلى الدنيا، لكي يحمله ابنه على يديه إلى مثواه الأخير، من انتظر صراخي وحملني على يديه عند ولادتي، لن أحمله على يدي إلى آخرته، ولكن هل سيحملني ابني على يديه إلى مثواي الأخير، لا أعلم ولكن عذرا أبي ..أراك في دار الحق.. رحمك الله.

مقالات متعلقة
تعليقات الفيسبوك